السيد كمال الحيدري

91

السلطة وصناعة الوضع و التأويل (دراسة تحليلية تطبيقية في حياة معاوية بن أبى سفيان)

بمثل ، لنحدّثن بما سمعنا ، وإن كرهت يا معاوية . لندعنّك ولنلحقنّ بأمير المؤمنين ، فقال : أيّها الرجل أنت وما سمعت ) « 1 » . ثمَّ قال ابن عبد البرّ : ( على هذا مذهب الصحابة والتابعين وجماعة فقهاء المسلمين ، فلا وجه للإكثار فيه ) « 2 » . ومن الواضح أن اعتذار ابن عبد البرّ عن معاوية بخفاء الخبر عليه ، اعتذارٌ غير وجيه ؛ إذ لم يكن متردّداً ولم يظهر الجهل بالأمر ولم يتساءل عن الحكم مطلقاً ، بل أنه عدّ كلام عبادة باطلًا لا قيمة له فقال - كما في الحديث الأوّل - : ( إنّ هذا لا يقول شيئاً ) ، بل أنه كذّبه كما في الحديث الثاني ، بل الأدهى من ذلك أنّه رفض الانصياع للحديث وأهمله وقال : ( أيّها الرجل أنت وما سمعت ) وهذا فعلٌ صريح بتجاهل السنّة النبوية والإعراض عنها ، فكيف يقال : إنّ الحديث خفي عليه وكان جاهلًا به ! ومن الملفت أن نجد المتأخّرين يحاولون تأويل إعراض معاوية عن السنّة بأمثال هذه الآراء ، في حين إنّ الصحابي الراوي لهذه القصّة ( وهو أبو الدرداء ) ، المعاصر للمعاوية ، فهِمَ فعلَ معاوية بأنه ردٌّ للحديث النبويّ ومخالفة للنصّ ! ! قال القاضي أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي شارحاً قول أبي الدرداء « من يعذرني من معاوية . . . » : ( إنكار منه على معاوية التعلّق برأيٍ يخالف النصّ ، ولم يحمل ذلك من معاوية على التأويل ، وإنَّما حمله منه على ردّ الحديث بالرأي ) « 3 » .

--> ( 1 ) ابن عبد البرّ ، التمهيد ، مصدر سابق : ج 4 ، ص 81 . ( 2 ) المصدر السابق : ج 4 ، ص 84 . ( 3 ) الباجي ، المنتقى شرح موطأ مالك ، تحقيق : محمّد عبد القادر أحمد عطا ، منشورات محمّد علي بيضون ودار الكتب الصحيحة ، بيروت ، الطبعة الأولى ، 1420 ه - - 1999 م ، ج 6 ، ص 336 .